مرايا الجزائر مرايا الجزائر

هيئة التحرير

إظهار
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • نسيت كلمـة المرور؟
مرايا الجزائر مرايا الجزائر
  • الرئيسية
  • الهوية التحريرية
  • مرايا الحدث
  • ما وراء الصورة
  • مرايا العقول
  • على الميزان
  • مرايا على العالم
  • إتصل بنا
 
  1. أنت هنا:  
  2. الرئيسية
  3. مرايا الحدث
  4. السبايس : وجعٌ صامت في مرآة حيّ
التفاصيل
المجموعة: مرايا الحدث

السبايس : وجعٌ صامت في مرآة حيّ

في واحد من أحياء العاصمة، و تحديدا بحي السيايس، الواقع ببلدية براقي، كان الهدوء الظاهر يخفي خلفه توترًا يتصاعد يومًا بعد يوم.
لم يكن الأمر واضحًا في البداية، فالحياة كانت تبدو عادية على السطح ، حركة خفيفة في الأزقة، وجوه مألوفة، وأحاديث يومية لا تخرج عن المألوف. لكن خلف هذا المشهد، كان شيء آخر يتشكّل بصمت.
شيئًا فشيئًا، بدأ مروجو "السم الهاري" يفرضون بضاعتهم داخل الحي، ليس كحالة عابرة، بل كواقع يتوسع بين الزوايا ويستقطب شبابًا في مقتبل العمر. ومع الوقت، تحوّل ما كان يُقال همسًا إلى حديث علني يثير القلق والخوف في آن .
في إحدى اللحظات، قرر عدد من السكان كسر هذا الصمت. لم يكن القرار سهلًا، لكنه وُلد من إحساس متزايد بأن الأمور تجاوزت الحدود. خرجوا في محاولة لوقف نشاط بات يُنظر إليه كخطر يهدد أبناء الحي ومستقبله.
لكن ما حدث لم يكن مجرد خلاف عابر.
سرعان ما تحوّل التوتر إلى مواجهة بين أطراف يعرف بعضها بعضًا منذ سنوات طويلة. أصوات مرتفعة، تدافع، واتهامات تتصاعد في فضاء ضيق، كأن الحي كله انكمش في لحظة واحدة.
وسط هذا المشهد، برزت صورة زادت الموقف تعقيدًا، أمهات خرجن من البيوت، لا ليهدّئن الوضع، بل ليقفن في وجه محاولة منع أبنائهن من هذا النشاط. لم يكن الأمر تبريرًا للفعل بقدر ما كان تعبيرًا عن خوف عميق ومركّب، بين الخشية من فقدان الابن، أو دفعه نحو مصير أسوأ في الشارع والسجن معًا. وفي لحظة مشحونة، تكررت عبارة واحدة كحدّ فاصل: “واحد ما يدخل روحو…”
هذا الموقف لم يولد فجأة، بل تشكّل داخل سياق اجتماعي معقد، حيث تختلط الروابط العائلية بالخوف، وتضعف الثقة في أن التدخل الخارجي قد يقود فعلًا إلى الحل. وفي أحياء تتقاطع فيها الضغوط الاجتماعية مع هشاشة الفرص، يصبح الخوف من فقدان الابن أحيانًا أقوى من القدرة على مواجهة انحرافه.
لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى الخلفية الأوسع. فبلدية براقي ، مثل غيرها من البلديات، لا تخلو من مرافق عمومية، ودور شباب، وقاعات رياضة. غير أن وجود هذه الفضاءات وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى ممارسة فعلية تستقطب الشباب وترافقهم، بدل أن يبقى مجرد إمكانيات غير مستغلة.
في المقابل، يظل الفراغ الأخطر هو ذلك الذي يعيشه بعض الشباب بين محدودية التوجيه وإغراء المال السريع، حيث تتحول صورة الربح السهل إلى بديل جذاب لمسارات طويلة تتطلب صبرًا واستقرارًا.
ومن هنا، لا يبدو الحل مرتبطًا بجانب واحد فقط. فالمعالجة الأمنية وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها معالجة اجتماعية وتربوية. بعض الأصوات داخل الحي ترى أن البداية تكون من إعادة تنشيط دور الشباب فعليًا، وفتح المجال أمام الرياضة والنشاطات بشكل منتظم، مع حضور تربوي ومرافقة مستمرة، بدل الاكتفاء بالبنية دون روح.
وفي الوقت نفسه، يبرز دور العائلة كحلقة أساسية لا يمكن تجاوزها: ليس فقط في الحماية، بل في التوجيه المبكر قبل أن يتشكل المسار الخاطئ. فحين يتحول الخوف إلى عزلة، يترك فراغًا لا يملؤه إلا الشارع.
هكذا، لا تبدو أحداث حي السيايس مجرد مواجهة حول بيع المخدرات، بل صورة لمعادلة أوسع تتداخل فيها العائلة، والمجتمع، والمؤسسات، في صراع بين الحماية والانزلاق، لا يمكن حسمه إلا حين تعمل هذه الأطراف في نفس الاتجاه، بدل أن يتحول كل طرف إلى جزيرة منفصلة داخل نفس الحي.
حي السبايس ليس حالة معزولة، بل مرآة مصغّرة لواقعٍ يتسع في أحياء هذا الوطن؛ حيث يتقاطع غياب وعي الأولياء مع هشاشة الأبناء. وإن لم تستفق الأسرة في الوقت بدل الضائع، فإننا نخاطر بجيلٍ يتفلت من بين أيدينا، ليجد نفسه غارقًا في مستنقع المخدرات،بيعا و استهلاك.

 

جميع الحقوق محفوظة للمنصة الإعلامية المستقلة مرايا الجزائر | 2026 برمجة وتصميم