- التفاصيل
- المجموعة: مرايا الحدث
سوق بلا صوت حين تختبئ الأسعار ويعلو القلق

"ويااا السردين ، السردين 3 كغ ب 10 ألاف " "كول يا قليل ، الطماطيش و الفلفل بااااطل يا قليل " في زمن غير بعيد ، اعتدنا بمجرد دخولنا الى السوق سماع تلك الجمل بأصوات عالية لباعة كانوا يعرضون منتحاتهم و أسعارها بأصواتهم المزعجة في كثير من الأحيان لكنها كانت تصنع جوا في السوق .
اليوم، لم نعد نسمع للباعة صوت، لم تعد أصواتهم تصدح بالأسعار كما في السابق، كأنهم أدركوا أن الإعلان عنها لم يعد يجذب الزبائن، بقدر ماينفّرهم. فاكتفوا بكتابتها على ألواح صغيرة موضوعة على منتجاتهم. في صمتٍ يخفي ما لا تخفيه الكلمات… أسعار ترتفع، وقدرة شرائية تنخفض، وسوق فقد صوته قبل أن يفقد زبائنه.
في جولة بسيطة داخل أحد الأسواق الشعبية شرق الغاصمة، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت ليدرك أن شيئًا ما تغيّر. الباعة حاضرون، السلع معروضة، الألوان زاهية كما كانت دائمًا، لكن الحركة مختلفة. نظرات مترددة، خطوات بطيئة، وأيدٍ تمتد للحساب أكثر مما تمتد للشراء.
لم يعد السؤال: “بشحال؟” مجرد فضول عابر، بل أصبح حسابا دقيقا يسبق أي قرار. فالقدرة الشرائية للمواطن الجزائري شهدت تراجعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع أسعار العديد من المواد الأساسية، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن بعض الخضر والفواكه عرفت زيادات تجاوزت 30% في فترات متقاربة، وهو ما جعلها تتحول من مواد يومية إلى “مشتريات محسوبة”.
ففي ظل هذا الوضع ، لم نقف الدولة، موقف المتفرج. فقد سعت إلى دعم الفلاحين، وتوفير تسهيلات في الإنتاج، ومحاولة ضبط السوق عبر آليات رقابية مختلفة. غير أن الواقع في الميدان يروي قصة أخرى، أو على الأقل نصفها الآخر.
الفلاح، الذي يُفترض أن يكون الحلقة الأولى في سلسلة الاستقرار، يجد نفسه هو الآخر تحت ضغط التكاليف. ارتفاع أسعار البذور، الأسمدة، النقل، وحتى اليد العاملة، كلها عوامل يراها مبررا لرفع الأسعار. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن البسيط وحده من يعاني.
ففي مجتمع ترتبط فيه المناسبات بالعادات، يصبح الغلاء أكثر من مجرد رقم، فمع اقتراب المناسبات، خاصة الدينية منها، تتضاعف الضغوط، في مفارقة لافتة؛ إذ بدل أن تنخفض الأسعار في مواسم يُفترض أن تقوم على الرحمة والتكافل، فإنها غالبًا ما تلتهب أكثر. وكأن السوق ينسى أن هذه المناسبات ليست فقط فرصة للبيع، بل معنى إنساني قبل كل شيء، فالعام طويل للربح، أما لحظات التضامن فقصيرة ولا تُعوض.
هنا، لا نتحدث فقط عن سوق، بل عن توازن اجتماعي دقيق. فحين يعجز الفرد عن مجاراة محيطه، يبدأ الشعور بالإقصاء في التسلل، ويصبح الغلاء أزمة نفسية بقدر ما هو أزمة اقتصادية.
ورغم كل ذلك، يبقى السوق واقفا، لكن بصوت خافت.
باعة يكتبون الأسعار بدل أن ينادوها، وزبائن يقرأونها بدل أن يناقشوها، وبينهما مساحة صامتة تختصر واقعا كاملا. واقع لم تعد فيه المشكلة في توفر السلع، بل في القدرة على الوصول إليها.
في النهاية، قد لا يكون صمت الباعة صدفة، بل لغة جديدة فرضها زمن الغلاء، حيث لم يعد كل ما يقال يُحتمل سماعه.