- التفاصيل
- المجموعة: مرايا الحدث
"ولّيت غريب في داري" عمي عبد الكريم حكاية رجل في الحافلة

في حافلة مزدحمة، وسط ضجيج الطريق، بدأ حديث لم يكن في الحسبان.
كان عمي عبد الكريم، صاحب ال 66 عاما، يجلس بجانبي، يحدّق في الفراغ قبل أن يقول بنبرة أثقلها التعب:
"أنا قلت درتها في بيت راجلها، نتهنّى وتتهنى، فلا أنا تهنيت ولا هي تهنات."
لم يكن ينتظر سؤالًا. كان فقط يبحث عن أذن تنصت له.
بعد وفاة زوجته، تعلّم الرجل التعايش مع هدوء البيت. ابنتاه تزوجتا، وكل واحدة استقرت في حياتها، وكانت زياراتهما المتقطعة تمنحه بعض الدفء دون أن تخلّ بتوازن أيامه.
لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.
يقول وهو يشبك يديه:
"انقلبت حالة بنتي الكبيرة زفير على عفير."
ثم يضيف:
"قالتلي غير فترة قصيرة، حتى تلقى كراء… صدقتها ورضيت." كانت عودة مؤقتة، كما ظنّ ، لكن المؤقت طال… واستقر.
يواصل بنبرة تحمل خيبة واضحة:
"رجعت للدار، لكن ماشي وحدها."
عادت ابنته، ومعها أبناؤها، وزوجها كذلك.
رجل، كما وصفه عمي عبد الكريم “سليم في جسده وعقله”، لكنه استقر في بيت صهره بدل أن يستقر في بيته.
يهز عمي عبد الكريم رأسه ويقول:
"راجلها خرجوه من دارهم… وجاو كامل عندي." منذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
لم يعد البيت ذلك الفضاء الهادئ الذي يملك فيه تفاصيل يومه، بل صار مزدحمًا بحياة أخرى، بعادات أخرى، وبثقل يومي لم يكن في الحسبان. لم يكن الأمر مجرد ضيق في المكان، بل إحساسًا بأن حدود البيت بدأت تتلاشى.
يتوقف قليلًا، ثم يقول بنبرة يختلط فيها الحرج بالاستياء: " يمشي في الدار بسروال قصير، بلا حتى حياء."
ثم يضيف: "أنا نستحي منه… وهو لا لا."
وبنبرة مثقلة بالهموم، يواصل:
"لو كانت بنتي مطلقة ولا أرملة، على عيني وراسي… لكن راجلها حيّ وبصحته، وهاذي هي اللي غاضتني."
بالنسبة لعمي عبد الكريم، لم تعد المسألة مجرد استضافة عائلية، بل تحوّلت إلى سؤال احترام ومسؤولية.
يقول بوضوح: "لو كانت بنتي وحدها، والله ما يغيضني الحال، بصح براجِلها وتاكل عليا؟"
ثم يمرّ إلى حكمه الصريح:
"صهري غير مسؤول… هنى دارهم منه، وجا يلصق فيا بلا حشمة." صمت قليلًا، نظر عبر نافذة الحافلة، قبل أن ينهي حديثه بجملة بقيت عالقة:
"ولّيت غريب في داري."
نزل عمي عبد الكريم، وبقيت قصته. قصة لا تختزل فقط ضيق بيت، ولا تُفسر بالكامل بظروف عابرة. هي حكاية وعدٍ مؤقت لم يُحترم، وحدودٍ لم تعد واضحة، ومسؤولياتٍ لم تعد موزّعة كما كانت. فحين يتحول “الاستقبال المؤقت” إلى إقامة بلا نهاية، دون مراعاة لخصوصية الأب أو سنّه، يصبح الخلل أعمق من مجرد مساحة مشتركة.
إنه احتكاك يومي بين قيم الحياء والاحترام، وممارسات لم تعد ترى في ذلك ضرورة.
جميلة هي زيارة الأبناء لوالديهم والاعتناء بهم متى اقتضى الأمر. زيارات وإن بدا ظاهرها من باب الواجب، إلا أن معانيها الخفية تحمل الكثير مما ينعكس على شعور الوالدين، وأهمها الفخر بـ“تربية متوازنة” غرسوها في أبنائهم.
غير ذلك، فإن للآباء والأمهات مساحتهم الخاصة التي لا يحق للأبناء اقتحامها دون وعي بحدودها، بل احترامها وكفى.
وفي النهاية، ما عساي أكتب سوى: ارحموا عزيز قوم ذل.