مرايا الجزائر مرايا الجزائر

هيئة التحرير

إظهار
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • نسيت كلمـة المرور؟
مرايا الجزائر مرايا الجزائر
  • الرئيسية
  • الهوية التحريرية
  • مرايا الحدث
  • ما وراء الصورة
  • مرايا العقول
  • على الميزان
  • مرايا على العالم
  • إتصل بنا
 
  1. أنت هنا:  
  2. الرئيسية
  3. مرايا الحدث
  4. في شأن القوة الناعمة حين تملك بلدا سينمائيا ولا تملك صناعة
التفاصيل
المجموعة: مرايا الحدث

في شأن القوة الناعمة حين تملك بلدا سينمائيا ولا تملك صناعة

 
في قاعة عرض حديثة بأحد أحياء العاصمة، تضاء الشاشة ويبدأ فيلم جديد. المقاعد ليست ممتلئة، لكنها ايضا ليست فارغة. خارج القاعة، مدينة كاملة تضج بالقصص، وجوه، لهجات، ذاكرة، وتفاصيل يومية تصلح لأن تكون مادة خام لعشرات الأفلام. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا: لماذا لا تتحول كل هذه الحكايات إلى صورة مستمرة؟
قبل عقود، لم يكن هذا السؤال مطروحا بنفس الحدة. حين صعد المخرج العبقري "محمد لخضر حمينا" إلى منصة مهرجان كان السينمائي، حاملا السعفة الذهبية عن فيلم "وقائع سنين الجمر"، كانت الجزائر تعلن حضورها السينمائي بثقة. لم يكن التتويج مجرد إنجاز فني، بل تعبيرا عن مرحلة كاملة رأت في السينما امتدادا طبيعيا للاستقلال، ووسيلة لتثبيت الهوية وبناء الذاكرة.
في تلك السنوات، بدا أن الصورة جزء من مشروع وطني. أفلام عن الثورة، عن الإنسان وعن التحولات الاجتماعية. كانت الكاميرا تبحث عن الجزائر في عمقها لا على سطحها، إلا أنه ومع مرور الزمن، لم يتحول ذلك الزخم إلى صناعة مستمرة. بقيت اللحظات الكبيرة تستحضر، بينما الواقع يسير بوتيرة متقطعة.
اليوم، لم تعد السينما مجرد فن، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة، القادرة على فعل ما تعجز عنه السياسة أحيانا، التأثير دون خطاب، وبناء الصورة دون إعلان. هذا ما فهمته هوليوود مبكرا، حين جعلت من أفلامها وسيلة لعرض نموذج حياة كامل. في أعمال مثل "روكي بالبووا"، لا نتابع مجرد قصة ملاكم، بل نشاهد سردية عن الفرد الذي يصعد، وعن مجتمع يقدم نفسه كفضاء للفرص. ومع تكرار هذه الصورة، يتحول الخيال إلى قناعة، والانطباع إلى “حقيقة” في أذهان تم برمجتها دون عناء.
وعلى خطٍ موازٍ، جاءت التجربة التركية لتثبت أن الأمر لا يتعلق فقط بالإنتاج، بل بالاستراتيجية، فتركيا لم تنجح لأنها تملك قصصا أفضل، بل لأنها حولت قصصها إلى صناعة، إنتاج مستمر، توزيع واسع وربط ذكي بين الدراما والسياحة والاقتصاد. ففي تركبا لم تعد الشاشة حدثا بل نظاما.
في الجزائر، الصورة أكثر تعقيدا. فبينما يقال إن السينما تعيش حالة ركود، بدأت في السنوات الأخيرة ملامح حراك جديد تظهر. أعادت الدولة فتح عدد من قاعات العرض، ومنحت القطاع الخاص حق استغلال بعضها، مع سن قوانين لتنظيم النشاط وتحفيز الاستثمار. في العاصمة ومدن كبرى مثل وهران وقسنطينة، عادت الحياة تدريجيا إلى بعض القاعات، وأصبح الجمهور يجد نفسه أمام عروض جزائرية وأجنبية حديثة.
كما تطرح مشاريع طموحة، من بينها إنشاء أقطاب سينمائية في الجنوب، خاصة بمنطقة تيميمون، حيث يراهن على فضاءات طبيعية فريدة لتحويلها إلى مواقع تصوير مفتوحة. وفي السياق نفسه، ظل مشروع المدينة السينمائية في بوسعادة فكرة حاضرة، تحمل في طياتها إمكانية خلق مركز إنتاج حقيقي.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تطرح سؤالاً أعمق، هل نحن أمام بداية صناعة أم مجرد إعادة تنشيط لنشاط ثقافي؟
المفارقة هنا واضحة. الجزائر تملك ما لا تملكه كثير من الدول: تنوع جغرافي يكفي لعشرات البيئات السينمائية وتاريخ ثري بالصراعات والقصص الإنسانية وكذلك ثقافة متعددة الأبعاد. ومع ذلك، لا تزال الصورة غير مستثمرة بالشكل الذي يجعلها منتجا دائما. القاعات تفتح، لكن الإنتاج غير مستمر. القوانين تُسن، لكن السوق لم يتشكل بعد. المشاريع تعلن، لكن أثرها لا يظهر سريعا على الأرض، نحن لا نفتقر إلى الأفكا بل نفتقر إلى من يحول الفكرة إلى مشروع.
الرهان اليوم لم يعد فقط على إنتاج فيلم ناجح، بل على بناء منظومة تشترك فيها: شركات إنتاج تعمل باستمرار وتمويل مستقر لا يرتبط بالمناسبات وربط حقيقي بين السينما والسياحة والاقتصاد، فضلا عن توزيع يتجاوز الحدود نحو المنصات العالمية مع التركيز على تكوين جيل جديد يفكر في السينما كصناعة لا كهواية.
السينما ليست كاميرا ومخرجا فقط، بل سلسلة كاملة تبدأ من الفكرة وتنتهي عند المشاهد، مرورا بالسوق.
وفي عالم تصاغ فيه صورة الدول عبر الشاشة، يصبح الغياب مكلفا. ليس لأن لا أحد يراك، بل لأن هناك دائما من قد يراك لكن بطريقته الخاصة.
هنا، لا يبدو التحدي في أن تملك الجزائر قصة تُروى، بل في أن تقرر كيف تريد أن تُروى.ففي بلد يبدو وكأنه ديكور مفتوح للسينما، قد لا يكون أخطر ما يحدث هو غياب الكاميرا، بل أن ترفع الكاميرا من خارج الإطار.

جميع الحقوق محفوظة للمنصة الإعلامية المستقلة مرايا الجزائر | 2026 برمجة وتصميم