- التفاصيل
- المجموعة: مرايا الحدث
رحيل فنان الحنين.. العاصمة تبكي عبد المجيد مسكود

رحل اليوم الخميس 14 ماي 2026، الفنان الجزائري الأصيل عبد المجيد مسكود عن عمر ناهز 73 سنة، تاركًا وراءه صوتًا لم يكن مجرد أغنية، بل ذاكرة كاملة تسكن وجدان الجزائريين، وحنينًا يختبئ في تفاصيل الحومة القديمة، في المقاهي الشعبية، وفي شوارع العاصمة التي أحبها وغنى لها حتى صار صوته جزءًا منها.
من منا لا يتذكر تلك الكلمات التي سكنت القلوب قبل العقول: “يا دزاير يا العاصمة، سومة قيمتك عظيمة، حبّك في قلبي ديما إلى يوم الدين”. لم تكن “العاصمة” مجرد أغنية عابرة، بل كانت حالة وجدانية جماعية، نشيدًا شعبيًا ردده الكبير والصغير، وحفظته الذاكرة الجزائرية كما تحفظ أسماء الأماكن والأحبة. كانت أغنية تختصر علاقة الجزائري بمدينته، بعاصمته، وبوطنه.
وُلد عبد المجيد مسكود سنة 1953 بالجزائر العاصمة، وسط أحياء شعبية صنعت شخصيته الفنية ومنحته ذلك القرب العجيب من الناس. هناك، بين الأزقة البسيطة والحياة اليومية العفوية، تشكل حسه الفني، فكان يغني للحومة، للجيران، للناس البسطاء، ولتفاصيل الحياة التي قد تبدو صغيرة لكنها تصنع ذاكرة الشعوب.
بدأ مسيرته الفنية من المسرح، حيث تعلم كيف يخاطب الجمهور بصدق، وكيف يحول الإحساس إلى أداء حيّ يصل مباشرة إلى القلب. وعلى الخشبة، صقلت موهبته الفنية قبل أن ينتقل إلى عالم الغناء، ليصنع لنفسه مكانة خاصة وسط الساحة الفنية الجزائرية. لم يكن يبحث عن الضجيج، بل عن الأغنية التي تشبه الناس، لذلك دخلت أعماله البيوت الجزائرية دون تكلف.
اشتهر الراحل بعدة أعمال خالدة، من بينها “العاصمة”، و“نهواكم نهواكم يا وليدات الحومة”، وغيرها من الأغاني التي حملت روح الجزائر الشعبية بكل دفئها وعفويتها. كانت أغانيه تشبه جلسات الزمن الجميل، بسيطة في كلماتها، عميقة في إحساسها، وصادقة إلى درجة أن المستمع يشعر وكأن الفنان يحكي قصته الشخصية.
ومع مرور السنوات، ظل عبد المجيد مسكود حاضرًا في وجدان الجزائريين، حتى بعدما اشتد عليه المرض وأبعده تدريجيًا عن الساحة الفنية. تابع محبوه خلال الفترة الأخيرة معاناته الصحية بحزن كبير، بينما بقيت أغانيه تملأ الفضاءات وتقاوم الغياب، وكأن صوته كان يرفض الرحيل.
اليوم، يغادر عبد المجيد مسكود الدنيا، لكن الفنان الحقيقي لا يرحل تمامًا. يبقى صوته في ذاكرة الحومة، وفي ليالي العاصمة، وفي قلوب الجزائريين الذين كبروا على أغانيه ورددوها في أفراحهم وحنينهم. يرحل الجسد، لكن تبقى الأغنية… ويبقى الأثر الذي لا يمحوه الزمن.
