- التفاصيل
- المجموعة: مرايا الحدث
بين عشوائية التصميم وضعف الخطاب السياسي.. هل يفتقد المترشح الجزائري إلى ثقافة الاتصال السياسي؟
لم تعد الحملات الانتخابية اليوم مجرد برامج ووعود سياسية، بل أصبحت صناعة كاملة تقوم على الصورة والشعار والهوية البصرية. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في ال2 من جويلية المقبل، يعود الجدل حول الطريقة التي يقدم بها المترشح الجزائري نفسه للناخبين.

في عالم السياسة الحديثة، لم تعد صورة المترشح عنصرا ثانويا، بل تحولت إلى أداة تأثير أساسية تبنى وفق دراسات دقيقة في الاتصال وعلم النفس والتسويق السياسي. فاختيار الألوان، وطريقة التقاط الصورة، ونوع الخط، وحتى الكلمات المختارة في الشعار، كلها عناصر لا تترك للصدفة، وإنما تصمم بعناية من أجل بناء صورة ذهنية قادرة على كسب ثقة الناخب وإقناعه.
غير أن المتأمل في المشهد الانتخابي الجزائري يلاحظ أن كثيرا من الحملات ما تزال تبنى بعشوائية واضحة، سواء من حيث الهوية البصرية أو من حيث طريقة تقديم المترشح لنفسه. فغالبا ما نصادف ملصقات مزدحمة بالألوان، وشعارات مستهلكة تتكرر مع كل موعد انتخابي، وصورا تبدو أحيانا أقرب إلى إعلانات تجارية منها إلى حملات سياسية تحمل مشروعا واضحا. والنتيجة أن كثيرا من الحملات تصبح متشابهة إلى درجة يصعب معها تمييز مترشح عن آخر، وكأن الاختلاف لا يتجاوز تغيير الأسماء والوجوه.
ولا تتوقف صناعة الصورة السياسية عند الملصقات والشعارات فقط، بل تمتد إلى بناء الحملة الانتخابية كاملة وفق أسس علمية دقيقة. ففي العديد من التجارب الدولية، لا تترك الحملات للارتجال أو للاجتهادات الفردية، بل تبنى اعتمادا على دراسات في الاتصال السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، والتسويق، وتحليل سلوك الناخبين. إذ تحدد الفئات المستهدفة، وتدرس طبيعة المجتمع وانتظاراته، وتختار الرسائل المناسبة لكل فئة، كما تصمم الهوية البصرية بما ينسجم مع شخصية المترشح ومشروعه السياسي.
كما أن الفارق لا يكمن في الإمكانيات المادية فقط، بل في طريقة التفكير في الحملة الانتخابية نفسها. ففي كثير من الحالات محليا، تصمم الحملات في فترات متأخرة وتحت ضغط الوقت، لتتحول عملية بناء الهوية البصرية والخطاب إلى مجرد خطوات تنجز قبيل انطلاق الحملة. بينما تبدأ في العديد من التجارب الدولية قبل مدة طويلة، حيث تجرى دراسات حول المجتمع والفئات المستهدفة وتصوراتهم واهتماماتهم قبل الانتقال إلى مرحلة تصميم الشعارات والصور والرسائل. فالحملة الانتخابية الجادة تنطلق من: كيف يفكر المجتمع الذي نخاطبه؟ بدل انطلاقها من سؤال: كيف نريد أن يظهر المترشح؟
في خضم هذا، تلجأ بعض الحملات إلى استنساخ نماذج جاهزة من تجارب انتخابية أجنبية، ظنا منها أن نجاحها في بيئة معينة قد يضمن النجاح محليا، غير أن المشكلة لا تكمن في الاستفادة من التجارب الدولية، بل في نقلها بصورة حرفية دون مراعاة خصوصية المجتمع والسياق الثقافي والسياسي. فلكل مجتمع رموزه ولغته وطريقته الخاصة في استقبال الرسائل السياسية. فما قد ينجح داخل مجتمع ما ليس بالضرورة أن يحقق الأثر ذاته داخل المجتمع الجزائري.
وتظهر بعض التجارب في الدول المتقدمة أن غياب الانسجام بين بناء الحملة الانتخابية وعناصرها البصرية والخطابية يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، رغم توفر الإمكانيات والخبرة. ففي الانتخابات الأمريكية سنة 2016، نذكر المترشح جيب بوش، الذي اعتمدت حملته على هوية بصرية وخطاب تسويقي بدا ضعيف الأثر ومفتقرا للحيوية مقارنة بمنافسيه، وهو ما انعكس على حضوره السياسي رغم ثقل اسمه داخل المشهد الحزبي. ونذكر أيضا صورة المرشح مايكل دوكاكيس الذي ترشح سنة 1988 وظهوره داخل دبابة عسكرية، وهي صورة بصرية لم تقرأ دلالاتها الرمزية بشكل جيد، فتحولت من عنصر دعم إلى نقطة ضعف أثرت على صورته أمام الناخبين.
ولا تقتصر إشكالية الحملات الانتخابية على طريقة تصميمها أو خطابها فقط، بل تمتد أيضا إلى الفضاءات التي تعرض فيها. فأماكن تعليق الملصقات والإعلانات الانتخابية أصبحت بدورها جزءا من العملية الاتصالية. غير أن الملاحظ في كثير من الحالات أن توزيع هذه الملصقات يتم بطريقة عشوائية، حيث تتكدس الصور والشعارات في أماكن متفرقة دون رؤية واضحة، ما يجعل الرسائل تتداخل وتفقد جزءا من قوتها التأثيرية.
في المقابل، تعتمد العديد من التجارب الحديثة على تخطيط دقيق لمواضع ظهور الحملة داخل الفضاء العام، بحيث يتم اختيار المواقع وفق معايير تتعلق بكثافة الحركة، وطبيعة الجمهور المستهدف، والسياق البصري للمكان. فالحملة الانتخابية لم تعد مجرد ملصق يعلق في أي زاوية، بل أصبحت جزءا من استراتيجية تواصلية متكاملة. وهنا يصبح المكان نفسه عنصرا منتجا للمعنى، لأن الرسالة لا تقرأ بمعزل عن الفضاء الذي تعرض فيه.
كما أن الهوية البصرية لا تؤدي دورها بمعزل عن الخطاب اللفظي، فالصورة والكلمة يشكلان معا منظومة اتصالية واحدة. فلا يمكن لمترشح أن يقدم نفسه بصريا كشخص قريب من المواطن، بينما يأتي خطابه بلغة رسمية جامدة بعيدة عن واقع الناس. كما أن الشعارات التي تحمل مفاهيم مثل "الأمل" أو "التغيير" تفقد معناها عندما لا تجد امتدادا لها في الكلمات والمواقف. فالناخب لا يستقبل الصورة وحدها ولا يسمع الخطاب وحده، بل يبني انطباعه من خلال كل ما يراه ويسمعه في آن واحد.
وهنا يبرز دور السيميولوجيا، أو علم العلامات، الذي يهتم بدراسة المعاني التي تحملها الصور والرموز والإشارات. فالألوان ليست مجرد أذواق، وطريقة الوقوف أمام الكاميرا ليست مجرد حركة عفوية، ونبرة الصوت ليست مجرد أسلوب شخصي، وحتى الفضاء الذي توضع فيه الرسالة يحمل دلالة معينة. فكل هذه العناصر تحمل رسائل ضمنية تؤثر في المتلقي وتسهم في تشكيل صورته الذهنية عن المترشح.
وإذا كانت الحملات الانتخابية الحديثة أصبحت تعتمد على تخصصات متعددة تجمع بين الاتصال والتسويق وعلم النفس وتحليل السلوك الاجتماعي والسيميولوجيا، فإن حاجة الأحزاب السياسية في الجزائر اليوم تدع إلى تكوين مختصين في تصميم وإدارة الحملات الانتخابية. فالأمر لم يعد يقتصر على إعداد ملصقات أو اختيار شعارات جذابة، بل أصبح مجالا قائما بذاته يتطلب كفاءات قادرة على بناء صورة سياسية متكاملة وصياغة خطاب منسجم وفهم طبيعة المجتمع وخصوصياته.
ففي العديد من التجارب الدولية، تضم فرق الحملات مختصين في الاتصال السياسي، وخبراء في تحليل الرأي العام، ومستشارين في الصورة والرسائل الإعلامية، إلى جانب مختصين في السلوك الاجتماعي والاتصال الرقمي. بينما ما تزال هذه الجوانب محليا تدار في كثير من الأحيان بمنطق الاجتهادات الفردية أو الحلول السريعة، وهو ما يجعل الحملة الانتخابية تنحصر أحيانا في تنظيم التجمعات وتعليق الملصقات بدل أن تكون مشروعا اتصاليا متكاملا.
ورغم أن الحملات الانتخابية الحديثة أصبحت تصمم وفق أسس علمية دقيقة، وتدار كمنظومة متكاملة من الاتصال والتحليل والتخطيط، إلا أن هناك عنصرا لا يمكن صناعته أو تعويضه مهما بلغت درجة الاحترافية، وهو صدق وإخلاص المترشح في عمله السياسي. فمهما بلغت دقة الصورة واحترافية الخطاب، تبقى هذه العناصر عاجزة عن بناء قناعة حقيقية إذا غابت المصداقية.
وفي زمن أصبحت فيه السياسة تبنى أيضا على قوة التواصل، قد لا تكون المشكلة في المشهد الانتخابي الجزائري غياب البرامج وحدها، بل ربما في غياب فهم أعمق لكيفية تقديم تلك البرامج. لأن أزمة الصورة، في كثير من الأحيان، ليست سوى انعكاس لأزمة خطاب ورؤية. فحين تبنى الحملة بعشوائية، تصبح الرسالة نفسها عرضة للضياع، لكن حين يغيب الصدق، تفقد الرسالة معناها من الأساس.
