مرايا الجزائر مرايا الجزائر

هيئة التحرير

إظهار
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • نسيت كلمـة المرور؟

صفحة الفايسبوك

 
مرايا الجزائر مرايا الجزائر
  • الرئيسية
  • الهوية التحريرية
  • إتصل بنا
  1. أنت هنا:  
  2. الرئيسية
  3. مرايا الحدث
  4. قصة عرفة.. جبل الرحمة الذي يشهد ملايين الدعوات
التفاصيل
المجموعة: مرايا الحدث

قصة عرفة.. جبل الرحمة الذي يشهد ملايين الدعوات

أنا لست أعلى الجبال، ولا أكثرها امتدادا، في أعين من يراني لأول مرة. أقف بهدوء منذ قرون خلت، أراقب الشمس وهي تشرق وتغيب، وأرى الوجوه تأتي ثم ترحل، لكنني في يوم واحد من كل عام أبدو مختلفا.


في التاسع من ذي الحجة من كل سنة، لا يأتي إليّ أشخاص معدودون، بل تتحرك نحوي أمم كاملة أتت من كل فج وحدب، تشعرني بهيبة عارمة . وجوه لا تشبه بعضها، لغات متعددة، ألوان مختلفة، وأعمار تحمل قصصا لا تنتهي. منهم من جاء بقلب مثقل بالأمنيات، ومن جاء بدعاء لشفاء، ومن حمل في داخله حزنا لم يستطع أن يبوح به لأحد.

من بعيد يبدو المشهد وكأن الأرض كلها تسير في اتجاه واحد.

يطلق كثيرون عليّ اسم "جبل عرفة" او "عرفات" بينما يعرفني آخرون باسم "جبل الرحمة". لكن الحقيقة أنني جزء صغير من أرض واسعة اسمها عرفة، الأرض التي جعل الله الوقوف فيها ركنا من أركان الحج، حتى ورد المعنى المشهور عن النبي محمد ﷺ: «الحج عرفة»؛ فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج نفسه.

ولم يأت اختيار هذا المكان للركن الأعظم من الحج اختيارا اعتباطيا، بل جاء لحِكم إلهية عظيمة ومقاصد تشريعية عميقة، إذ تجتمع فيه معاني التوحيد والتواضع والمغفرة في أبهى صورها.

ففي هذا الموضع"جبل عرفة" تتداخل طبقات من التاريخ والرموز, إذ يُروى أن اسم "عرفة" الذي اطلق على الجبل ارتبط بلحظة التقاء أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام بعد هبوطهما إلى الأرض، فكأن المكان صار منذ بدايته رمزا للتعارف الإنساني الأول، وبداية قصة التوبة على هذه الأرض.

كما تحكي روايات أخرى ، أن أصل تسمية الجبل ب "عرفة" يعود إلى أن جبريل عليه السلام كان يعلّم نبي الله إبراهيم عليه السلام مناسك الحج في هذا الموضع، وكان يكرر عليه سؤال: "أعرفت؟" فيجيبه سيدنا إبراهيم عليه السلام: "عرفت"، فارتبط الاسم بالمعرفة واليقين، وكأن المكان نفسه صار مدرسة للعبادة والفهم معا.
ومن حكمه كذلك أنه يقع خارج حدود الحرم المكي، بعيدا عن مظاهر الزينة والازدحام الحضري، ليكون الحاج في فضاء مفتوح، لا شيء فيه سوى السماء والأرض والإنسان، فيتجرد القلب من كل شيء إلا الخشوع، ويقف العبد بين يدي ربه بلا حواجز سوى دعائه.

ومن هنا جاءت عظمة المكان، فليست القصة قصة جبل من الحجارة، بل قصة لحظة عظيمة يقف فيها ملايين البشر في المكان نفسه، يخلعون عن أنفسهم اختلافاتهم، فلا غني يعلو على فقير، ولا لون على آخر، ولا لغة على أخرى، بل يقفون جميعا بقلوب متشابهة بين يدي رب واحد.

ومع اقتراب الشمس من الغروب يتغير كل شيء. ترتفع الأيدي إلى السماء، وتنخفض الأصوات ثم تعلو بالدعاء والذكر. وفي وسط ذلك البحر البشري تتردد كلمات يعرفها المسلمون ويرددونها بصوت واحد: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير."

في ذلك المشهد لا يبدو الأمر وكأنه تجمع بشري عادي، بل كأن ملايين القلوب قررت أن تنطق بروح واحدة. لكل شخص حكايته، ولكل شخص دعاؤه الخاص، لكن الرجاء يبقى واحدا.

يعد يوم عرفة من أعظم أيام الدعاء والرحمة عند المسلمين، فهو يوم تفيض فيه القلوب بالأمل وتنتظر فيه النفوس رحمة الله ومغفرته، وقد ورد في فضله أن الله يعتق فيه عبادا من النار أكثر من أي يوم آخر، وأنه من أرجى الأيام للدعاء والقبول.

ربما لهذا لا يتذكر العائدون شكل الجبل، ولا عدد الصخور التي مروا بجانبها، بل يتذكرون شيئا واحدا وفقط، شعورا يصعب وصفه، شعورا بأن ملايين البشر، رغم اختلافهم، استطاعوا أن يجتمعوا حول أمنية واحدة، أن تقتحم الدعوات عنان السماء.

عرفة "جبل الرحمة" الذي تتجه إليه قلوب الحجاج مرة واحدة كل سنة، لأداء الحج، آخر أركان الإسلام، حيث يتحقق الركن الأعظم الذي لا يكتمل الحج إلا به، وتلتقي ملايين الأرواح حول دعاء واحد وأمل واحد.

 

محاورنا

  • مرايا الحدث
  • ما وراء الصورة
  • مرايا العقول
  • على الميزان
  • مرايا على العالم

منصة إعلامية مستقلة، تقدم الخبر بأسلوب سردي مختلف، يجمع بين السرد الصحفي وتحليل الواقع وإقتراح الحلول.

 

جميع الحقوق محفوظة للمنصة الإعلامية المستقلة مرايا الجزائر | 2026 برمجة وتصميم