- التفاصيل
- المجموعة: ما وراء الصورة
ريبورتاج : تمقرة.. وينطق الصمت بصورة الجمال
لا تفصلنا سوى أيام قليلة عن دخول فصل الصيف، ومعه يبدأ كثير من عشاق السياحة المحلية في البحث عن وجهات جديدة، هادئة وجميلة، والأهم من ذلك، غير مألوفة، قصد اكتشافها وقضاء أيام في رحابها بعيدًا عن صخب المدن وتلوث الهواء، بين أماكن ما تزال تحتفظ بشيء من نقائها الخام.

لكن في كل مرة نبحث فيها عن “مكان جديد”، ننسى أن بعض الأماكن لم تكن يومًا جديدة، بل كانت دائمًا موجودة في منطقة ما في الجزائر القارة ، فقط كنا نمرّ دون أن نراها.
طريق تمقرة ...حيث تبدأ الجبال في تغيير الإيقاع
في شمال شرق الجزائر، داخل ولاية بجاية، حيث لا يكتفي البحر بصنع الصورة، بل تتدخل الجبال لتغييرها بالكامل، تمتد طرق ضيقة نحو الداخل، كأنها تأخذك بعيدا عن الزمن لا عن المكان فقط.
هناك، في العمق الجبلي، تقع قرية تمقرة في الجهة الجنوبية لولاية بجاية، بمنطقة القبائل الكبرى. تبعد عن مقر الولاية بنحو 90 كم، وتتبع إداريا لدائرة أقبو. تمقرة قرية رغم سحرها الأخاذ تستحي من رفع صوتها لتُرى، ولا تتعجل لتُكتشف، لكنها تتركك تصل إليها وكأنك كنت تعرف الطريق إليها منذ زمن بعيد.
كل خطوة بعيدا عن المدينة، هي خطوة تجرك داخل الهدوء.
الطريق نحوها ليس مجرد انتقال على الإسفلت. إنه تراجع تدريجي عن الضجيج. كل كيلومتر يبتعد بك عن المدينة، يأخذ منك شيئا من سرعتك، ويمنحك بدلًا منه شيئًا آخر، هدوءًا لا يسمع، بل يشعر.
تتغير الملامح شيئا فشيئا. الأشجار تصبح أقرب، الهواء أكثر برودة، والضوء أقل حدّة. ثم فجأة، دون إعلان، تجد نفسك داخل مشهد لا يشبه المدن التي تركتها خلفك.
بيوت لا تُبنى فقط، بل تنمو مع الجبل
فالبيوت في تمقرة لا تقف كأنها “مبنية” فقط، بل كأنها نمت من الأرض. متكئة على السفوح، موزعة بين الارتفاع والانحدار، كأن كل بيت وجد مكانه الطبيعي منذ البداية. لا شيء يبدو مفروضا فيها، حتى الصمت.
صباح تمقرة.. حين يصبح الهدوء صوتًا
في الصباح، لا تستيقظ القرية على ضجيج، بل على تفاصيل صغيرة، خطوات خفيفة، أصوات بعيدة لا تميّز مصدرها، ورياح تمر بين الأشجار كأنها تهمس لا تهبّ. وفي المساء، حين يهدأ كل شيء، يبدو الضوء نفسه أكثر حنانا، وكأنه لا يريد أن يغادر المكان بسرعة.
حياة بسيطة وعلاقة أعمق مع الأرض
تمقرة ليست مجرد صورة طبيعية جميلة. فخلف هذا الهدوء، هناك حياة يومية بسيطة، متجذرة في الأرض. رجال ونساء يعرفون الأرض أكثر مما يعرفون الخرائط، يزرعون، يمشون، ويتحركون بإيقاع مختلف عن إيقاع المدن.
هناك شيء إنساني خفي في المكان، ليس في الضجيج، بل في غيابه. في طريقة تعامل الناس مع الأرض، في الصبر الذي تمنحه الجبال لمن يعيش بينها، وفي تلك العلاقة غير المعلنة بين الإنسان والطبيعة.
تمقرة لا تستهلك بل تشعر بها
قد لا تُذكر تمقرة كثيرا في أدلة وخرائط السفر، وقد لا تتصدر الصور المتداولة على وسائل التواصل، لكنها تملك ما لا يكتب بسهولة،إحساس بأن المكان لم يصنع ليعرض، بل ليُعاش.
أصعب ما قد يخذلك في قرية تمقرة، هو اليوم الذي تغادرها، فأنت لا تأخذ معك صورا فقط، بل شيئًا أثقل" نوعا من الحنين" إلى مكان لم تعش فيه طويلا، لكنه ترك فيك أثرا يشبه الذاكرة.
