- التفاصيل
- المجموعة: مرايا العقول
في حواره لمرايا الجزائر .. يوسف شيحة رئيس الاتحاد الجزائري لترقية السياحة وحماية البيئة
"مواجهة أخطار التصحر وشح المياه وحرائق الغابات ضرورة لتعزيز الأمن المعيشي"
تتسارع التحولات البيئية في زمن تتعاظم فيه المخاوف المرتبطة بشح المياه والتصحر وحرائق الغابات، لهذا لم تعد البيئة قضية تهم العلماء والخبراء وحدهم، بل أصبحت موضوعا يتقاطع فيه السياسي بالاقتصادي، والاجتماعي بالأمني. وبينما ينشغل كثيرون بتداعيات الأزمات اليومية، تظل إشكالية البيئة مطروحة بإلحاح، باعتبارها جزء من مستقبل الإنسان وأمنه الغذائي والمائي والصحي.
منصة "مرايا الجزائر" التقت بيوسف شيحة رئيس الاتحاد الجزائري لترقية السياحة وحماية البيئة، الذي أجرى لنا هذا الحوار الذي حاول من خلاله تسليط الضوء على الأبعاد السياسية للقضية البيئية، والعلاقة بين التلوث والعدالة الاجتماعية، وأسباب ضعف الاهتمام بالملفات البيئية، فضلا عن تطرقه لدور الشباب والاعلام والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة بيئية قائمة على المسؤولية الفردية والجماعية، مؤكدا أن حماية البيئة ليست ترفا، بل خيارا تنمويا وحضاريا يفرضه حاضر المجتمعات ومستقبلها.
حاورته : مينة عماري

س: يوسف شيحة، خريج المدرسة العليا للعلوم السياسية ومهتم بقضايا البيئة، كيف ساهمت العلوم السياسية في تشكيل وعيك البيئي؟
*صحيح، أنا خريج المدرسة الوطنية للعلوم السياسية، وفخور بكوني ابن هذه المدرسة التي تلقيت فيها أفضل تكوين. وبالعودة إلى سؤالك، فإن العلوم السياسية تعرف تطورا مستمرا، وهذا لارتباطها الجلي بمختلف العلوم، فلا تكاد تخلو أي ظاهرة من التفسيرات والتحليلات السياسية، سواء كانت الظواهر متعلقة بالبيئة أو بالاقتصاد أو حتى بالمجتمع. وشغفي بالبيئة زادني وعيا وحرصا على الانشغال بهذه الإشكالية التي تثير الكثير من التساؤلات، فاعتبارها اليوم من التهديدات اللاتماثلية التي تمس بأمن الدول يضفي عليها طابعا سياسيا وأمنيا، وكان هذا من أهم المحاور التي تناولتها خلال دراستي للعلوم السياسية. وإضافة إلى كونها ظاهرة علمية، فإن وعيي بالبيئة يزداد كلما تيقنت أن هناك عوامل متداخلة اقتصادية واستراتيجية وعلمية تتطلب تحليلا سياسيا عميقا وحلولا سياسية ومؤسسية.
س: يفهم من حديثك أن البيئة اليوم لم تعد قضية علمية بل كذلك قضية سياسية؟
*بالفعل، إن السياسات الحكومية يمكنها تغيير الواقع البيئي بشكل كبير، إذا توفرت شروط النجاح التي تتمثل في الاستقرار المؤسسي، والرقابة الفعالة، وترسيخ الثقافة البيئية، وكذلك التشجيع على الابتكار، إضافة إلى خلق التنافسية، ودعم المجتمع المدني ماديا ولوجستيا، على اعتبار أنه الأقرب إلى المجتمع والأكثر اطلاعا على مشاكله البيئية.
س: الى ماذا يعود ضعف الاهتمام بالملفات البيئية رغم خطورتها؟
*إن ضغف الاهتمام بالملفات البيئية يرجع إلى عدة عوامل، من بينها نقص الوعي البيئي، والانشغال بالحياة اليومية المرتبطة غالبا بغلاء المعيشة وهموم الحياة، وجعل البيئة قضية ثانوية تعنى فقط بحملات النظافة والتشجير، فضلا عن عدم المقدرة على توفير الإمكانيات الملائمة، خاصة مع تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وما تخلفه الحروب. ففي الجزائر، وبالرغم من أن الدولة تولي اهتماما بالبيئة وتحترم الاتفاقيات الدولية، وترسم سياسات وتسن القوانين، مسجلة في هذا الأمر بعض النجاحات خاصة فيما يتعلق بالتشجير، والاهتمام المتزايد بالطاقات المتجددة، إلا أن التحديات في هذا الشأن كثيرة، خاصة المؤسسية منها، فدور الرقابة لا يزال غير كاف، والردع لا يزال بحاجة إلى مزيد من الفعالية في ظل انتشار بعض السلوكات المشينة، بالإضافة إلى نقص الوعي المجتمعي واعتماد الأفراد على الحكومات دون اجتهادات ومبادرات محلية.
س: يتضح من كلامك بأن المواطن الجزائري لا يملك وعيا كافيا بالقضايا البيئية؟
*لو أننا نتحدث عن الثقافة البيئية لدى المواطن الجزائري، فهي موجودة، لكن الوعي بها غير كاف. فالمشكلة ليست في غياب الحس البيئي، بل في ضعف ترجمته إلى ممارسات ثابتة في الاستهلاك، والنظافة، وفرز النفايات، واحترام الماء والطاقة، وهو ما يجعل التربية البيئية ضرورة سياسية واجتماعية، لا مجرد توجيه أخلاقي.
س: إن ذكرك لمجموعة من الممارسات، يدفع بي إلى سؤالك عن تفسير العلاقة بين التلوث والعدالة الاجتماعية؟
*تعود العلاقة بين التلوث والعدالة الاجتماعية أساساً إلى الإنسان بصفة عامة والمواطن على وجه الخصوص، نظراً لدوره في بيئته ومحيطه، حيث إن الفقر، وسوء توزيع الموارد، وغياب العدالة البيئية، وضعف الوعي بالحقوق البيئية، كلها عوامل تعمّق الاختلالات البيئية والاجتماعية وتعرقل الحلول المستدامة. ورغم التوجه الإيجابي للسياسة البيئية في الجزائر نحو الحد من الفقر واللاعدالة البيئية، إلا أنها ما تزال بحاجة إلى تنفيذ صارم، ورقابة فعالة، وربط أوضح بين البيئة والتنمية الاجتماعية. كما أن الدولة وحدها لا تكفي لمواجهة هذه الاختلالات، خاصة في ظل التلوث الإقليمي وما يرافقه من نفايات وأخطار صحية وغذائية ومائية. لذلك يبقى المواطن طرفا أساسيا في الحل عبر ثقافته وسلوكه، من خلال ترسيخ الاستهلاك الرشيد واحترام الموارد الطبيعية، بما يعزز الصحة العامة ويخفف الأعباء على المنظومة الصحية، ويكرّس المسؤولية الفردية والجماعية كركيزة لتحقيق العدالة الاجتماعية والبيئية.
س: كيف ترى دور الشباب في الدفاع عن القضايا البيئية؟
*يُظهر الشباب الجزائري وعيا متزايدا بقضايا البيئة، وهو ما يتجلى في حضورهم الفاعل وتفاعلهم الإيجابي خلال الجلسات العلمية والأنشطة البيئية المختلفة. كما أن الانخراط المؤسسي للشباب في نوادي البيئة بدور الشباب عبر مختلف الولايات يعد مرآة تعكس رغبة حقيقية في المساهمة في حماية البيئة.
س: هل الإعلام يُنصف القضايا البيئية؟
*إن الإعلام يُنصف بعضا من القضايا البيئية، لكنه ما زال يحتاج إلى تعمق أكبر فيها، لأن التغطية كثيرا ما تبقى خبرية وعامة أكثر من كونها تحليلية ومستمرة.
س: ما هي أكثر الظواهر البيئية التي تهدد الجزائر؟
*إن أكثر الظواهر البيئية التي تقلقني اليوم في الجزائر هي ظاهرة التصحر، وحرائق الغابات، وشح المياه.
س: أين تكمن تحديدا خطورة المعظلات التي ذكرتها؟
*إن المعظلات التي ذكرتها و المتعلقة بالتصحر, وحرائق الغابات, وشح المياه تمس الأمن المعيشي مباشرة وتؤثر في التوازن الطبيعي.فمن هذا المنطلق توجب التصدي لهذه الأخطار لتعزيز الأمن المعيشي.
س: هل يمكن للاقتصاد الأخضر أن يكون حلا فعليا لمشاكل البطالة وكذلك التنمية؟
*أكيد، يمكن للاقتصاد الأخضر أن يكون حلا فعليا إذا تحول إلى سياسات عملية، لأنه يفتح مناصب شغل، ويشجع الاستثمار، ويحافظ في الوقت نفسه على الموارد الطبيعية.
س: في الأخير، ماهي الرسالة التي تحاول إيصالها من خلال نشاطك البيئي؟
*رسالتي تتمثل في أن حماية البيئة ليست خيارا ثانويا، بل هي مسؤولية جماعية وثقافة يومية ومشروع تنموي للمستقبل. فالبيئة حق إنساني أساسي وليست ترفا، وهي ثقافة وسلوك حضاري وليست شأنا إداريا فقط، كما أنها قضية عدالة اجتماعية، والشباب فيها شركاء أساسيون في بناء مستقبل بيئي آمن، وتبقى المسؤولية الفردية حجر الأساس في حماية البيئة.
