- التفاصيل
- المجموعة: على الميزان
لما كان العيد من توقيع أمي
كان صباح العيد في بيتنا يبدأ قبل أن تشرق الشمس تماما، نسمة الصباح الباردة تختلط برائحة القهوة المتصاعدة من المطبخ، وصوت الأواني الخفيف يعلن أن أمي استيقظت قبل الجميع. لم يكن هناك بخور يملأ المكان كما اليوم، كانت رائحة القهوة وحدها كافية لتقول لنا إن العيد قد حل.

لم تكن أمي تجلس كثيرا، كانت تتحرك بين الغرف بخفة تحفظ تفاصيل البيت كلها، ترتب قاعة الضيوف، تعدّ صينية الحلويات، وتترك باب المنزل نصف مفتوح وكأنها تقول للعيد" جوز، مرحبا بيك”.
ولا أتذكر أن أمي خرجت في أول أيام العيد لزيارة أهلها، رغم شوقها الكبير لهم. كانت ترى أن للبيت حقا عليها في ذلك اليوم، وأن الضيف الذي يطرق بابك ولا يجدك، يعود بشيء من الخيبة حتى وإن أخفاها خلف ابتسامته.
بعد الظهيرة، كان الرجال يأخذون أبناءهم ويجوبون بيوت الأقارب والأحباب للمعايدة. الأطفال يرتدون ملابسهم الجديدة بفخر و سعادة، يتنقلون من بيت إلى آخر، يجمعون العيديات، ويملؤون الأزقة ضجيجا وفرحا. أما النساء، فكن يبقين في البيوت، يفتحن الأبواب للضيوف، يستقبلن الزوار ، ويحرصن أن يبقى البيت نابضا بالحياة إلى أن يمضي العيد.
كان العيد يومها يصنع داخل البيت. الأم تصنع أجواءه، والأب يحافظ على هيبته، والأطفال يعيشونه بكل تفاصيله الصغيرة؛ رائحة القهوة، صوت الضحكات، حركة الضيوف، وفوضى الأكواب والصحون التي كانت تبدو جزءا من فرحة العيد نفسها.
أما اليوم، فقد تغير شيء عميق لا نكاد ننتبه إليه. كثير من البيوت أصبحت تفقد روحها منذ الساعات الأولى للعيد. النساء يتهيأن للخروج سريعا، والرجال لا يبدون أي امتناع في أخذ زوجاتهم وأطفالهم إلى بيوت الأهل، وكأن بيوتهم لم تعد تصلح للاحتفاء بأجواء العيد كما كانت من قبل.
أصبحت كثير من المنازل تغلق أبوابها مبكرا، وكأن أصحابها متأكدون أن أحداً لن يطرق الباب بعد خروجهم، حتى في أول أيام العيد الذي كان يوما أكثر امتلاء بالزوار والزيارات.
ولست أدري حقا ما الذي تغير بالضبط. هل تعب الناس من فكرة استقبال الضيوف؟ أم أن العلاقات أصبحت أخف وأسرع؟ أم أن العيد نفسه فقد تلك الهيبة التي كانت تجعل البيت يمتلئ بالحياة حتى مغادرته؟
الأكيد أن أطفال اليوم لم يعودوا يعيشون العيد كما عشناه نحن رغم بساطة الأشياء و تشابهها.
أطفال اليوم ، و لا أعمم بكلامي هذا ، لم يعودوا يرون أمّا منشغلة بصناعة الفرح داخل البيت، ولا أبا ينتظر الضيوف بفخر، بل يعيشون عيدا سريعا يشبه جدول تنقلات أكثر مما يشبه مناسبة عائلية دافئة.
كل شيء ما زال موجودا، الملابس الجديدة، الحلويات، التكبيرات، وحتى صور التهاني…
لكن شيئا ما ينقصنا كلما عاد العيد.
ربما ...تلك الأمهات اللواتي كنّ يوقّعن العيد بطريقتهن الخاصة، ويتركن في كل زاوية من البيت أثرا وليد الحب الذي في قلوبهن.
فيا عيد… بأي حال عدت يا عيد
